فصل: تفسير الآية رقم (100):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (97):

{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)}
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ} بين كمال قدرته، وفي النجوم منافع جمة. ذكر في هذه الآية بعض منافعها، وهي التي ندب الشرع إلى معرفتها، وفي التنزيل: {وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ}. {وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ}. و{جَعَلَ} هنا بمعنى خلق. {قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ} أي بيناها مفصلة لتكون أبلغ في الاعتبار. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} خصهم لأنهم المنتفعون بها.

.تفسير الآية رقم (98):

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)}
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ} يريد آدم عليه السلام. وقد تقدم في أول السورة. {فَمُسْتَقَرٌّ} قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج وشيبة والنخعي بكسر القاف، والباقون بفتحها. وهي في موضع رفع بالابتداء، إلا أن التقدير فيمن كسر القاف فمنها {مستقر} والفتح بمعنى لها {مستقر}. قال عبد الله بن مسعود: فلها مستقر في الرحم ومستودع في الأرض التي تموت فيها، وهذا التفسير يدل على الفتح.
وقال الحسن: فمستقر في القبر. وأكثر أهل التفسير يقولون: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقاله النخعي. وعن ابن عباس أيضا: مستقر في الأرض، ومستودع في الأصلاب. قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس هل تزوجت؟ قلت: لا، فقال: إن الله عز وجل يستخرج من ظهرك ما استودعه فيه. وروي عن ابن عباس أيضا أن المستقر من خلق، والمستودع من لم يخلق، ذكره الماوردي. وعن ابن عباس أيضا: ومستودع عند الله. قلت: وفي التنزيل {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ} والاستيداع إشارة إلى كونهم في القبر إلى أن يبعثوا للحساب. وقد تقدم في البقرة. {قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} قال قتادة: {فَصَّلْنَا} بينا وقررنا. والله أعلم.

.تفسير الآية رقم (99):

{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)}
فيه سبع مسائل:
الأولى: قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً} أي المطر. {فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ} أي كل صنف من النبات.
وقيل: رزق كل حيوان. {فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً} قال الأخفش: أي أخضر، كما تقول العرب: أرنيها نمرة أركها مطرة. والخضر رطب البقول.
وقال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز وسائر الحبوب. {نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً} أي يركب بعضه على بعض كالسنبلة.
الثانية: قوله تعالى: {وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ} ابتداء وخبر. وأجاز الفراء في غير القرآن {قنوانا دانية} على العطف على ما قبله. قال سيبويه: ومن العرب من يقول: قنوان. قال الفراء: هذه لغة قيس، وأهل الحجاز يقولون: قنوان، وتميم يقولون: قنيان، ثم يجتمعون في الواحد فيقولون: قنو وقنو. والطلع الكفري قبل أن ينشق عن الإغريض. والإغريض يسمى طلعا أيضا. والطلع، ما يرى من عذق النخلة. والقنوان: جمع قنو، وتثنيته قنوان كصنو وصنوان بكسر النون. وجاء الجمع على لفظ الإثنين. قال الجوهري وغيره: الاثنان صنوان والجمع صنوان برفع النون. والقنو: العذق والجمع القنوان والإقناء، قال:
طويلة الإقناء والأثاكل غيره: {أقناء} جمع القلة. قال المهدوي: قرأ ابن هرمز {قنوان} بفتح القاف، وروي عنه ضمها. فعلى الفتح هو اسم للجمع غير مكسر، بمنزلة ركب عند سيبويه، وبمنزلة الباقر والجامل، لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع، وضم القاف على أنه جمع قنو وهو العذق بكسر العين وهي الكباسة، وهي عنقود النخلة. والعذق بفتح العين النخلة نفسها.
وقيل: القنوان الجمار. {دانية} قريبة، ينالها القائم والقاعد. عن ابن عباس والبراء بن عازب وغيرهما.
وقال الزجاج: منها دانية ومنها بعيدة، فحذف، ومثله {سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} وخص الدانية بالذكر، لأن من الغرض في الآية ذكر القدرة والامتنان بالنعمة، والامتنان فيما يقرب متناوله أكثر.
الثالثة: قوله تعالى: {وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ} أي وأخرجنا جنات. وقرأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش، وهو الصحيح من قراءة عاصم {وَجَنَّاتٍ} بالرفع. وأنكر هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، حتى قال أبو حاتم: همحال، لأن الجنات لا تكون من النخل. قال النحاس. والقراءة جائزة، وليس التأويل على هذا، ولكنه رفع بالابتداء والخبر محذوف، أي ولهم جنات. كما قرأ جماعة من القراء {وحور عين}. وأجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء، ومثله كثير. وعلى هذا أيضا {وحورا عينا} حكاه سيبويه، وأنشد:
جئني بمثل بني بدر لقومهم ** أو مثل أسرة منظور بن سيار

وقيل: التقدير {وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ} أخرجناها، كقولك: أكرمت عبد الله وأخوه، أي وأخوه أكرمت أيضا. فأما الزيتون والرمان فليس فيه إلا النصب للإجماع على ذلك.
وقيل: {وَجَنَّاتٍ} بالرفع عطف على {قِنْوانٌ} لفظا، وإن لم تكن في المعنى من جنسها. {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ} أي متشابها في الأوراق، أي ورق الزيتون يشبه ورق الرمان في اشتمال على جميع الغصن وفي حجم الورق، وغير متشابه في الذواق، عن قتادة وغيره. قال ابن جريج: {مُتَشابِهاً} في النظر {وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ} في الطعم، مثل الرمانتين لونهما واحد وطعامهما مختلف. وخص الرمان والزيتون بالذكر لقربهما منهم ومكانهما عندهم. وهو كقوله: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}. ردهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه.
الرابعة: قوله تعالى: {انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ} أي نظر الاعتبار لا نظر الإبصار المجرد عن التفكر. والثمر في اللغة جنى الشجر. وقرأ حمزة والكسائي {ثمره} بضم الثاء والميم. والباقون بالفتح فيهما جمع ثمرة، مثل بقرة وبقر وشجرة وشجر. قال مجاهد الثمر أصناف المال، والتمر ثمر النخل. وكان المعنى على قول مجاهد: انظروا إلى الأموال التي يتحصل منه الثمر، فالثمر بضمتين جمع ثمار وهو المال المثمر. وروي عن الأعمش {ثمره} بضم الثاء وسكون الميم، حذفت الضمة لثقلها طلبا للخفة. ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة مثل بدنة وبدن. ويجوز أن يكون ثمر جمع جمع، فتقول: ثمرة وثمار وثمر مثل حمار وحمر. ويجوز أن يكون جمع ثمرة كخشبة وخشب لا جمع الجمع.
الخامسة: قوله تعالى: {وَيَنْعِهِ} قرأ محمد بن السميقع {ويانعة}. وابن محيصن وابن أبي إسحاق {وينعه} بضم الياء. قال الفراء: هي لغة بعض أهل نجد، يقال: ينع الثمر يينع، والثمر يانع. وأينع يونع والتمر مونع. والمعنى: ونضجه. ينع وأينع إذا نضج وأدرك. قال الحجاج في خطبته: أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها. قال ابن الأنباري: الينع جمع يانع، كراكب وركب، وتاجر وتجر، وهو المدرك البالغ.
وقال الفراء: أينع أكثر من ينع، ومعناه أحمر، ومنه ما روي في حديث الملاعنة: «إن ولدته أحمر مثل الينعة» وهي خرزة حمراء، يقال: إنه العقيق أو نوع منه. فدلت الآية لمن تدبر ونظر ببصره وقلبه، نظر من تفكر، أن المتغيرات لا بد لها من مغير، وذلك أنه تعالى قال: {انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}. فتراه أولا طلعا ثم إغريضا إذا انشق عنه الطلع. والإغريض يسمى ضحكا أيضا، ثم بلحا، ثم سيابا، ثم جدالا إذ اخضر واستدار قبل أن يشتد، ثم بسرا إذا عظم، ثم زهوا إذا احمر، يقال: أزهى يزهي، ثم موكتا إذا بدت فيه نقط من الإرطاب. فإن كان ذلك من قبل الذنب فهي مذنبة، وهو التذنوب، فإذا لانت فهي ثعدة، فإذا بلغ الإرطاب نصفها فهي مجزعة، فإذا بلغ ثلثيها فهي حلقانة، فإذا عمها الإرطاب فهي منسبتة، يقال: رطب منسبت، ثم ييبس فيصير تمرا. فنبه الله تعالى بانتقالها من حال إلى حال وتغيرها ووجودها بعد أن لم تكن بعد على وحدانيته وكمال قدرته، وأن لها صانعا قادرا عالما. ودل على جواز البعث، لإيجاد النبات بعد الجفاف. قال الجوهري ينع الثمر يينع ويينع ينعا وينوعا، أي نضج.
السادسة: قال ابن العربي قال ما لك: الإيناع الطيب بغير فساد ولا نقش. قال مالك: والنقش أن ينقش أهل البصر الثمر حتى يرطب، يريد يثقب فيه بحيث يسرع دخول الهواء إليه فيرطب معجلا. فليس ذلك الينع المراد في القرآن، ولا هو الذي ربط به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البيع، وإنما هو ما يكون من ذاته بغير محاولة.
وفي بعض بلاد التين، وهي البلاد الباردة، لا ينضج حتى يدخل في فمه عود قد دهن زيتا، فإذا طاب حل بيعه، لأن ذلك ضرورة الهواء وعادة البلاد، ولولا ذلك ما طاب في وقت الطيب. قلت: وهذا الينع الذي يقف عليه جواز بيع التمر وبه يطيب أكلها ويأمن من العاهة، هو عند طلوع الثريا بما أجرى الله سبحانه من العادة وأحكمه من العلم والقدرة. ذكر المعلى ابن أسد عن وهيب عن عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا طلعت الثريا صباحا رفعت العاهة عن أهل البلد». والثريا النجم، لا خلاف في ذلك. وطلوعها صباحا لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شهر أيار، وهو شهر مايو.
وفي البخاري: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر.
السابعة: وقد استدل من أسقط الجوائح في الثمار بهذه الآثار، وما كان مثلها من نهيه عليه السلام عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع الثمار حتى تذهب العاهة. قال عثمان بن سراقة: فسألت ابن عمر متى هذا؟ فقال: طلوع الثريا. قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت عندي لم أعده، والأصل المجتمع عليه أن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة منه، قال: ولو كنت قائلا بوضع الجوائح لو ضعتها في القليل والكثير. وهو قول الثوري والكوفيين. وذهب مالك وأكثر أهل المدينة إلى وضعها، لحديث جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بوضع الجوائح. أخرجه مسلم. وبه كان يقضي عمر بن عبد العزيز، وهو قول أحمد بن حنبل وسائر أصحاب الحديث. وأهل الظاهر وضعوها عن المبتاع في القليل والكثير على عموم الحديث، إلا أن مالكا وأصحابه اعتبروا أن تبلغ الجائحة ثلث الثمرة فصاعدا، وما كان دون الثلث ألغوه وجعلوه تبعا، إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذر القليل من طيبها وأن يلحقها في اليسير منها فساد. وكان أصبغ وأشهب لا ينظران إلى الثمرة ولكن إلى القيمة، فإذا كانت القيمة الثلث فصاعدا وضع عنه. والجائحة ما لا يمكن دفعه عند ابن القاسم. وعليه فلا تكون السرقة جائحة، وكذا في كتاب محمد.
وفي الكتاب أنه جائحة، وروي عن ابن القاسم، وخالفه أصحابه والناس.
وقال مطرف وابن الماجشون: ما أصاب الثمرة من السماء من عفن أو برد، أو عطش أو حر أو كسر الشجر بما ليس بصنع ادمي فهو جائحة. واختلف في العطش، ففي رواية ابن القاسم هو جائحة. والصحيح في البقول أنها فيها جائحة كالثمرة. ومن باع ثمرا قبل بدو صلاحه بشرط التبقية فسخ بيعه ورد، للنهي عنه، ولأنه من أكل المال بالباطل، لقوله عليه السلام: «أرأيت إن منع الله الثمرة فبم أخذ أحدكم مال أخيه بغير حق»؟ هذا قول الجمهور، وصححه أبو حنيفة وأصحابه وحملوا النهي على الكراهة. وذهب الجمهور إلى جواز بيعها قبل بدو الصلاح بشرط القطع. ومنعه الثوري وابن أبي ليلى تمسكا بالنهي الوارد في ذلك. وخصصه الجمهور بالقياس الجلي، لأنه مبيع معلوم يصح قبضه حالة العقد فصح بيعه كسائر المبيعات.

.تفسير الآية رقم (100):

{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (100)}
قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ} هذا ذكر نوع آخر من جهالاتهم، أي فيهم من أعتقد لله شركاء من الجن. قال النحاس: {الْجِنَّ} مفعول أول، و{شُرَكاءَ} مفعول ثان، مثل {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً}. {وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً}. وهو في القرآن كثير. والتقدير وجعلوا لله الجن شركاء. ويجوز أن يكون {الْجِنَّ} بدلا من شركاء، والمفعول الثاني {لِلَّهِ}. وأجاز الكسائي رفع {الجن} بمعنى هم الجن. {وخلقهم} كذا قراءة الجماعة، أي خلق الجاعلين له شركاء.
وقيل: خلق الجن الشركاء. وقرأ ابن مسعود {وهو خلقهم} بزيادة هو. وقرأ يحيى بن يعمر {وخلقهم} بسكون اللام، وقال: أي وجعلوا خلقهم لله شركاء، لأنهم كانوا يخلقون الشيء ثم يعبدونه. الآية ونزلت في مشركي العرب. ومعنى إشراكهم بالجن أنهم أطاعوهم كطاعة الله عز وجل، روي ذلك عن الحسن وغيره. قال قتادة والسدي: هم الذين قالوا الملائكة بنات الله.
وقال الكلبي: نزلت في الزنادقة، قالوا: إن الله وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب، وإبليس خالق الجان والسباع والعقارب. ويقرب من هذا قول المجوس، فإنهم قالوا: للعالم صانعان: إله قديم، والثاني شيطان حادث من فكر الإله القديم، وزعموا أن صانع الشر حادث. وكذا الحائطية من المعتزلة من أصحاب أحمد بن حائط، زعموا أن للعالم صانعين: الإله القديم، والآخر محدث، خلقه الله عز وجل أولا ثم فوض إليه تدبير العالم، وهو الذي يحاسب الخلق في الآخرة. تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. {وَخَرَقُوا} قراءة نافع بالتشديد على التكثير، لأن المشركين ادعوا أن لله بنات وهم الملائكة، وسموهم جنا لاجتنانهم. والنصارى ادعت المسيح ابن الله. واليهود قالت: عزير ابن الله، فكثر ذلك من كفرهم، فشدد الفعل لمطابقة المعنى. تعالى الله عما يقولون. وقرأ الباقون بالتخفيف على التقليل. وسيل الحسن البصري عن معنى {وَخَرَقُوا لَهُ} بالتشديد فقال: إنما هو {وَخَرَقُوا} بالتخفيف، كلمة عربية، كان الرجل إذا كذب في النادي قيل: خرقها ورب الكعبة.
وقال أهل اللغة: معنى {خَرَقُوا} اختلقوا وافتعلوا {وَخَرَقُوا} على التكثير. قال مجاهد وقتادة وابن زيد وابن جريج: {خَرَقُوا} كذبوا. يقال: إن معنى خرق واخترق واختلق سواء، أي أحدث.